الاضطرابات الوراثية في العالم العربي:
دولة الإمارات العربية المتّحدة
الجزء الأوّل، 2004
يعتبر الكتاب الحالي باكورة إصدارات المركز العربي للدراسات الجينية والتي تعالج مسألة الاضطرابات الوراثية المنتشرة في عالمنا العربي من نواحي متعددة. ويعكس ثراءُ الكتاب تنوّعَ مؤلفي فصوله العشرة التي تمثّل خلاصة أعمالهم في مضمار أبحاث الوراثة في العالم العربي عموماً ودولة الإمارات العربية المتحدة خصوصاً. وفيما يلي نبذة سريعة لمحتوى فصول الكتاب آملين في المستقبل أن تكون للمركز العربي للدراسات الجينية إصدارات علمية رصينة باللغة العربية لملء بعض من الفراغ الكبير في مجال الطباعة العلمية في عالمنا العربي.
المحتويات
مقدّمة
أ.د. نجيب الخاجة     
أصبح علم الوراثة أحدَ المكونات التي لا غنى عنها في معظم البحوث الحديثة التي تتناول علوم الحياة والطب. فطرق البحث العلمي الخاص بالعمليات البيولوجية بدءاً من الدراسات الجزيئية وحتى دراسات وراثة الجماعات تستخدم الوسائل الجينية للوصول إلى الفهم في ذلك المجال الحيوي، ومن ثم لا يجوز لأي فرد أن يبقى جاهلاً بعلم الوراثة.
ولسوف يلعب التقدم في علم الوراثة دوراً رئيسياً في الطب والصحة العامة خلال القرن الواحد والعشرين، حيث يوفر معلومات جينية تساعد على التنبؤ بالأمراض ومكافحتها. وعلى الرغم من أن الاكتشافات المتعلقة بالمورثات البشرية تثير الاهتمام وتزيد من التوقعات، فإن ترجمة تلك الاكتشافات إلى أعمال ذات مغزى تعتمد أساساً على المعلومات العلمية التي ترد من مختلف التخصصات الطبية ومجالات الصحة العامة.
وفي العالم العربي تمثل الأمراض الوراثية مشكلة كبرى في مجال الصحة العامة نظراً لارتفاع معدل الزواج من الأقارب، ونقص الوعي العام. وهكذا فإن الدراسات الجينية الخاصة بالشعوب العربية يمكن أن تكون السبيل الرئيسي للتعامل مع تلك الأمراض. ولقد كانت نظرة سمو الشيخ حمدان بن راشد آل مكتوم فيما يتعلق بتخفيف المعاناة البشرية من الأمراض الوراثية في العالم العربي - حجر الزاوية في إنشاء المركز العربي للدراسات الجينية، والذي يهدف للتعرف على وصف الأساس الوراثي للأمراض في العالم العربي، ودعم الاتجاهات التي تقي من الإصابة بها. ونأمل أن يصبح المركز في وقت قريب منتدى يركز على دعم البحوث العلمية المشتركة.
وهذا الكتاب هو باكورة إصدارات المركز، وهو إسهام قيّم نقدمه للوسط العلمي. ويتضمن الكتاب نتائج الكثير من البحوث التي تمت في دولة الإمارات العربية المتحدة على يد أساتذة وباحثين مرموقين في مجالات الطب، والرعاية الصحية، والوراثة. وإذا كان الكتاب يتعرض أساساً لوضع الاضطرابات الوراثية في العالم العربي بصفة عامة، فإنه يتضمن عرضاً شاملاً للأمراض الوراثية المنتشرة لدى سكان الإمارات العربية المتحدة. وإلى جانب نشر قاعدة البيانات الإلكترونية المعروفة باسم "الفهرست الوراثي للعرب" فإن الكتاب يمثّل خطوة أولية من جانب المركز العربي للدراسات الجينية، لإصدار سلسلة من المطبوعات في المستقبل تعرض بالتفصيل لمختلف جوانب الاضطرابات الوراثية في الدول العربية أخرى.
وبالنيابة عن أعضاء مجلس أمناء جائزة الشيخ حمدان بن راشد آل مكتوم للعلوم الطبية وأمانتها العامة وأعضاء المركز العربي للدراسات الجينية يطيب لي أن أعبر عن جزيل امتناني لسمو الشيخ حمدان بن راشد آل مكتوم راعي الجائزة لدعمه المتواصل وتوجيهاته السديدة ومساندته للحركة العلمية الطبية في دولة الإمارات العربية المتّحدة ودور سموّه الكبير في إرساء دعائم البحث العلمي الطبي داخل الدولة من خلال الجائزة والدور الذي قامت به خلال السنوات الماضية يمكن قراءته في الأبحاث التي أجريت تحت رعايتها.
ورسالتنا واضحة إلى جميع محبّي العِلم والمتطلعين إلى الريادة في هذا الجانب من الدراسات لتتضافر جهودنا وجهودهم من أجل تعاونٍ هادفٍ وبنّاء.
إلى الأعلى
نظرة عامّة
د. غازي عمر تدمري
د. محمود طالب آل علي     
منذ فجر الحضارة الإنسانية أصبحت التطبيقات الوراثية في هيئة الإكثار الانتخابي أساس العملية الزراعية، وأسهمت في قيام وسقوط الحضارات على مدى آلاف السنين. ومنذ أكثر من خمسين عاما انطلقت ثورة في الفكر البيولوجي عندما سرد واطسن و كريك التركيب الجزيئي للحمض النووي "دِ.نْ.أ" (DNA). وهكذا فجأة أمكن تفسير بعض من أدق أسرار الحياة من خلال روعة وبساطة مادة كيميائية تتضاعف وتمزج شفرة الحياة.
ومن بعدها أصبح "دِ.نْ.أ" محل اهتمام من جانب المختبرات حول العالم، وابتكر علماء الحياة تقانات لتنقية، وتبديل وقص ولصق "دِ.نْ.أ" في أنابيب الاختبار، ومن ثم وضعوا المبادئ الخاصة بتركيب المورثات ووظائفها على المستوى الجزيئي. كذلك اكتشف العلماء المورثات التي تتحكم في الأمراض الوراثية، ووفروا تشكيلة من الأساليب لتشخيصها قبل الولادة. أما علماء التقنية الحيوية فقد أمكنهم إجراء تعديلات وراثية كبرى على البكتيريا، والنباتات، والحيوانات، وذلك للتعبير عن بروتينات ذات أهمية زراعية وطبية. وبالمثل يقوم الباحثون الآن بعمل اختبارات للتعرف على الحمض النووي في مجال الطب الشرعي، وتساعد تلك الاختبارات في إدانة المجرمين، ونجدة الأبرياء، واثبات النَسَب. كذلك يقوم علماء البيولوجيا الجزيئية بتنسيل الثدييات من خلايا جسدية بالغة، كما أنهم يساعدون في التعرف على الآليات الوراثية الجزيئية التي تتحكم في نمو الخلايا، وشيخوختها، وموتها، وكذا تلك التي تؤدي للسرطان. وهكذا فإن علم الوراثة بات يحتل مركزا محوريا في مسألة الحياة برمتها، وعلى عكس غيره من التخصصات العلمية الأخرى فقد اتخذ مكاناً جوهريا في العديد من جوانب الحياة البشرية. كذلك فإن حدود التبادل بين علم الوراثة وسائر العلوم باتت مفتوحة تماما الآن، وينمو ذلك التبادل بمعدلات سريعة. ويسهم علماء الوراثة والبيولوجيا الجزيئية حاليا في كثير من التطورات في مجالات الطب، والصيدلة، وعلوم الطب الشرعي، والبيئة، والزراعة، والتاريخ، وعلم النفس، وصناعة النسيج، وصناعة الغذاء، وعلوم وهندسة الحاسب الآلي. وهكذا فإن تلك الطبيعة التقاربية لعلم الوارثة الجزيئية تجعل منه مجالا تجديدياً مركزياً، وليس مجرد مجال محيطي، ومن ثم فإنه بصدد أن يصبح "علم القرن الواحد والعشرين".
وفي العالم العربي تمثل الأمراض الوراثية مشكلة كبرى في مجال الصحة العامة. وتسهم عوامل عديدة في الانتشار الواسع للأمراض الوراثية في المنطقة، منها ارتفاع معدل زواج الأقارب، والاتجاه الاجتماعي العام للإكثار من النسل حتى سن اليأس، وعوامل انتقائية تشجع على الإصابة بأمراض وراثية مثل الثلاسيميا، والنقص في أنزيم الجلوكوز -6- فوسفات ديهيدروجيناز، والافتقار إلى الوعي العام من حيث الاكتشاف المبكر للأمراض الوراثية، ومن ثم الوقاية منها.
فثمة معلومات وراثية توجه الوظائف الخلوية، وتحدد الشكل الخارجي للكائن، وتعمل كحلقة فصل بين الأجيال في كل نوع من الكائنات الحية. ومن خلال البحث الوراثي، وتحديد قابلية الفرد للإصابة بأمراض معينة، والتعرف على المورثات والآليات التي تعمل بها أمكن فتح الطريق أمام تأخير الإصابة بالأمراض الوراثية، ومن ثم علاج الكثير الشائع منها قبل أن يستفحل. ومن هنا كانت رؤية سمو الشيخ حمدان بن راشد آل مكتوم في العمل على تخفيف المعاناة البشرية من الأمراض الوراثية في العالم العربي. وقد تمثلت تلك الرؤية في إنشاء المعهد العربي للدراسات الجينية من أجل تشخيص ومنع الاضطرابات الوراثية، ووضع أسس مستقبلية للرعاية الصحية في المنطقة.
ولقد أمكن من خلال مشروع الجينوم البشري، وهو أكبر مشروع علمي في مجال علوم الحياة، فك الشفرة الكاملة للجينوم البشري قبل الموعد المحدد للانتهاء من المشروع بسنوات قليلة. فقد تم سَلسَلة جينومات كثير من الكائنات، وتخضع الآلاف من الكائنات الأخرى للبحث حالياً. ولتحويل البيانات المعقدة الناتجة عن المشروع إلى معلومات مفيدة من الضروري اعتماد تطبيقات علم المعلوماتية الحيوية، وهو تخصص يضم في إطاره علوم الحياة، والرياضيات، وتقنية المعلومات، وعلوم الحاسب الآلي.
ويهدف علم المعلوماتية الحيوية للمساعدة في اكتشاف آفاق طبية جديدة ونشر منظور عالمي يمكن من خلاله تبين المبادئ الموحدة في علوم الحياة. فعِلم المعلوماتية الحيوية تخصص تعاوني أساساً، ويدين بوجوده لتوفر واستخدام بيانات ثرية واسعة النطاق من أجل تحليل ودمج واستخدام المعلومات. وغني عن الذكر أن المركز العربي للدراسات الجينية قد أطلق مشروعاً طموحاً من أجل وضع "الفهرست الوراثي للعرب" (CTGA)، بهدف تنوير المجتمع العلمي والجمهور بشأن الإصابة بالأمراض الوراثية عند العرب، واقتراح استراتيجيات للبحث في المستقبل. ومن خلال الموارد المتوفرة، والأفراد القديرين، والعزيمة والإصرار على تحقيق هذا الهدف أمكن تحقيق نموذج ناجح لقاعدة بيانات عن الأمراض الوراثية المنتشرة في دولة الإمارات العربية المتحدة، ويتوفر هذا النموذج الآن للجمهور على شبكة المعلومات العالمية (الإنترنت). ويشجع ذلك الإنجاز المركز العربي للدراسات الجينية على الدعوة لإقامة تعاون نشط بين الخبراء المحليين والدوليين في المجال الصحي بهدف إطلاق بحوث تعاونية متعددة التخصصات من أجل تحديد وشرح ومنع الأمراض الوراثية في العالم العربي كخطوة أولى على الطريق نحو المشروع العربي "للجينوم البشري".
فقد تم بالفعل التعرف على غالبية الثلاثين ألف مورّثة التي تشكل الجينوم البشري. وتم إعداد تصفيفات مصغرة لكثير من المورثات البشرية، لاستخدامها في تشخيص التعبير عنها في مختلف الأنسجة والأعضاء، وفي الخلايا السرطانية مقارنة بالخلايا العادية. وتتوفر حاليا شرائح "دِ.نْ.أ" قادرة على رصد مستويات التعبير عن الجينوم البشري بأكمله، وتتطور هذه التقنية سريعاً من خلال ما يطرأ من تحسينات في التصغير والإكثار، وإيجاد مداخل جديدة لتكوين التصفيفات المصغرة. فالتقنية القوية المتمثلة في التصفيفات المصغرة سوف تسهل الحصول على البيانات بسرعة فائقة، ومن ثم توفير مزيد من المعرفة حول المسببات الجزيئية للأمراض. فعن طريق تحديد الفروق بين الأنماط الوراثية للأمراض أصبح الاختبار الوراثي متوفراً بدرجة كبيرة ، وبتكلفة أقل. ولهذا السبب فإن من بين الأهداف ذات الأولوية للمركز العربي للدراسات الجينية تثقيف الجماهير والمهنيين على حد سواء خاصّة فيما يتعلّق بالأمراض الوراثية في العالم العربي، وطرق وفوائد التشخيص الوراثي المبكر. وبالإضافة إلى ذلك فإن المركز العربي للدراسات الجينية يخطط لتوفير خدمات وراثية شاملة عن طريق ترجمة نتائج البحوث إلى برامج متكاملة لعلاج المرضى. وفي الوقت نفسه سيقوم المركز ببحث القضايا الأخلاقية والقانونية والاجتماعية التي قد تنشأ عن تنفيذ مثل تلك البرامج.
ونأمل أن يصبح المركز العربي للدراسات الجينية قاعدة للتميز في مدينة دبي حيث يتم صنع المستقبل في الحاضر. وبتنفيذ أساليب توليد الإيرادات نأمل أن تُدعم البحوث المتعلقة بالأمراض الوراثية في منطقتنا، وضمان التعرف على المستجدات والتطورات التقنية في ذلك المجال في كافة أنحاء العالم. وبالتأكيد فإن ذلك سوف يساعد في تحقيق التوازن بين إنتاج البيانات العلمية واستهلاكها في العالم العربي.
إلى الأعلى
العالم العربي
د. غازي عمر تدمري     
يتوزع سكان العالم العربي المُقدَّر عددهم بحوالى 315 مليون نسمة، على مساحة جغرافية شاسعة تمتد من سواحل الخليج العربي شرقاً إلى سواحل المحيط الأطلسي غرباً، ومن البحر المتوسّط شمالاً حتى الأطراف الجنوبية للصحراء الأفريقية الكبرى. ويتعدّى الوجود العربي تلك الحدود إذ ينتشر الملايين من العرب في قارات الأرض الخمس بحيث تقدّر بعض الإحصائيات أعداد الأفراد من أصول عربية والمقيمين في الولايات المتحدة الأمريكية، وأوروبا، والمملكة المتحدة بما لا يقل عن 12 مليون إنسان. هذا بالإضافة إلى وجود 16 مليون إنسان متحدّر من أصل عربي في قارة أمريكا اللاتينية وحوالى المليون موزّعين على قارتي أستراليا وأفريقيا.
ومن أهم الخصائص المشتركة للمجتمعات العربية والتي لها تأثيرات شتّى على التركيبة الوراثية للإنسان في منطقتنا تلك المتعلّقة بالزواج المبكّر، والزواج من الأقارب، والاستمرار في الإنجاب حتى سنّ اليأس. وتعتبر عادة الزواج من الأقارب من الظواهر المترسّخة بقوة في مجتمعاتنا العربية المقيمة ضمن حدود العالم العربي الجغرافية أو في دول الانتشار والاغتراب في زوايا العالم المختلفة. وتتراوح نسب الزواج من الأقارب بين دول العالم العربي، وأيضاً بين المجتمعات المتعددة ضمن البلد الواحد. وتشير الإحصاءات إلى أن النسب الوسطية للزواج من الأقارب تتراوح بين 40-50% من مجمل الزيجات في العالم العربي، وقد تصل هذه الأرقام إلى مستوى ال60% في بعض المجتمعات كما في السودان وموريتانيا والإمارات العربية المتّحدة والعراق والمملكة العربية السعودية. ومن بين الأنواع المتعددة للزيجات بين الأقارب فإن نسبة الزواج بين الأقرباء من الدرجة الأولى هي الأكثر شيوعاً كما هو الحال في الأردن والمملكة العربية السعودية والكويت والعراق ومملكة البحرين ومصر. ومما لا شك فيه فإن انتشار هذه الظاهرة لها تأثير على التركيبة الوراثية للإنسان بحيث تزداد احتمالات تجمّع بعض المورثات المتنحية في العديد من الأشخاص، والتي قد تعبّر عن نفسها في بعض الحالات باضطرابات وراثية وأمراض خلقية عديدة، بنسبٍ لا نجدها في حالات الزواج من غير الأقارب. و في هذا الموضع ينبغي أن نشير إلى أن انتشار هذه العادة في المنطقة تعتمد أساساً على مبادئ تتعلّق بالحفاظ على ممتلكات العائلة أو العشيرة أو يُسر الزواج من الأقارب من حيث التفاهم الأسري وثبات العلائق العائلية وليس بسبب محفّزات في الشريعة الإسلامية. وهنا لا تغيب عنّا الآية الكريمة والتي يقول فيها الله سبحانه وتعالى: "يا أيّها الناس إنّا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم"، أمّا النبي صلى الله عليه وسلّم فيقول في الحديث الصحيح: "شرّقوا وغرّبوا فإن العِرق دسّاس".
إلى الأعلى
الاضطرابات الوراثية في الشعوب العربية
د. غازي عمر تدمري     
حققت الدول العربية تقدماً ملموساً في العقود الأخيرة في بعض مجالات الصحة العامّة وقد أدّى ذلك لانحسار تفشي الأمراض المُعدية وسوء التغذية وتطور وسائل التطعيم. كما نلاحظ أيضاً ازدياد اهتمام العديد من الباحثين في المنطقة، وخاصة العاملون منهم في المؤسسات العلمية في المغرب العربي ودول الخليج ولبنان والأردن، بنشر نتائج بحوثهم ضمن الدوريات العالمية المحكّمة للتواصل مع زملائهم في العالم. وتشير العديد من الأبحاث التي أجريت في الدول العربية إلى أن الاضطرابات الوراثية أو الخلقية، وبخاصة المتنحية الصفات، هي أحد أهم أسباب الوفيات المبكرة في الشعوب العربية. ولهذا السبب عمل بعض العلماء على جمع وفهرسة المعلومات الخاصة بالأمراض الوراثية المنتشرة في العالم العربي. وعلى الرغم من غنى تلك المصادر فإنها تفقد تلك الخاصّية مع تقدّم الزمن واكتشاف أمراض جديدة لم يسبق وصفها في مرضى من أصول عربية.
وكمحاولة للمركز العربي للدراسات الجينية لتحديد أبعاد الاضطرابات الوراثية، انطلقت أولى المحاولات لجدولة تلك الأمراض مع تحديد مراكز وجودها في الدول العربية. فلقد اعتمدنا على النسخة الإلكترونية لفهرس ماكيوزك للاضطرابات الوراثية البشرية OMIM للتفتيش عن الأمراض الوراثية التي تم وصفها في مرضى من أصول عربية. وتمكنا بهذه الطريقة من معرفة حدود انتشار أكثر من 750 علّة وراثية تشكّل الصفات المتنحية الجزء الأكبر منها. ومن تلك الأمراض ما هو منتشر بشكل واسع في المنطقة كأمراض فقر الدم المنجلي، والثلاسيميا، ونقص أنزيم الجلوكوز-6-فوسفات ديهايدروجيناز، وغيرها. ومنها ما هو محدود الانتشار ويتركّز في بعض المجتمعات العربية فقط كحَثَل النموّ الانزلاقي الانسلاخي للفقرات (النوع الجزائري)، ومتلازمة اعتلال القلب-الهيكل العظمي (النوع الكويتي)، ومتلازمة الوجه المقنّع (النوع النابلسي)، وحثل النموّ الالتهاب الفقاري الكردوسي (النوع العُماني).
وتبين من خلال البحث أن الأساس الوراثي للعديد من تلك العلل مجهول، أمّا تلك التي تمّت معرفتها ففي غالبها تكون نتيجة لطفرات في جينة واحدة لمرض واحد. وما يمكننا استنتاجه هنا، هو أنه لو توفرت الوسائل الممكنة للتشخيص الوراثي في معظم المختبرات العربية لأمكن حصر العديد من العلل الوراثية المنتشرة، إن عن طريق وضع خطط للتداوي مبكّراً قبل ظهور عوارض المرض أو عن طريق إجراء الفحوص الوراثية المناسبة قبل الإخصاب تجنباً لولادات قد تحمل عيوباً خلقية قاتلة في بعض الأحيان. ومن جهة أخرى فإن غياب السبب الوراثي للعديد من الاضطرابات المنتشرة في العالم العربي يشكل لنا تحدياً يمكن كسبه عن طريق اعتماد الأبحاث العلمية المتطورة التي تعتمد على الدراسات الوراثية والجزيئية لتحديد الجينات والطفرات المتسببة بتلك العلل وتطوير الوسائل التي يمكننا استعمالها للتشخيص الوراثي المبكّر. ولتقديرنا أن عدد الاضطرابات الوراثية في العالم العربي قد يتجاوز الألف نوع، فإن ما نعرضه حول هذا الموضوع ما هو إلاّ الخطوة الأولى نحو تكوين فكرة شاملة معمّقة في هذا المجال في أقرب وقت.
إلى الأعلى
الإمارات العربية المتّحدة
د. غازي عمر تدمري
د. أحمد المرزوقي
أ.د. لِحاظ الغزالي
د. طاهر رِزْفي
    
تتميّز دولة الإمارات العربية المتّحدة بتنوّع ديموغرافي مميز قد لا نجد له أمثلة كثيرة في عالمنا. إذ يتزايد عدد سكان دولة الإمارات العربية المتحدة بشكل مطرد نتيجة جذب أعداد كبيرة من العرب، والآسيويين، والغربيين للعمل والاستثمار في شتى مجالات الحياة، فأصبحوا يشكلون جزءاً كبيراً من مجمل سكان الدولة. ويمثّل هذا الواقع فرصة نادرة للباحثين في مجالات الطب والعلوم الجزيئية للنهل من هذا التنوّع الكبير المختزل في نطاق جغرافي صغير لتحديد الأسباب العديدة وراء الاضطرابات الوراثية.
وبالتوازي مع التطور العمراني والاقتصادي والتجاري في دولة الإمارات العربية المتّحدة، فإن نتائج تطور القطاع الصحي جلية إذ ارتفع عدد المؤسسات الصحية في الدولة بشكل ملفت في العقود الثلاث الأخيرة، وانخفضت نسبة الموت المبكّر إلى 6.57 بالألف، وازداد متوسط العمر المتوقّع عند الولادة إلى 75 عاماً. وكل تلك المؤشرات تضع القطاع الصحّي في الإمارات العربية المتّحدة مع مثيلاتها من دول العالم المتطورة. وينعكس تطور القطاع الصحي كذلك في مجالات الأبحاث إذ نجد العديد من المؤسسات الأكاديمية والصحية والتي يعمل فيها باحثون متخصصون في مجالات الأمراض الوراثية على تشخيص تلك الأمراض، وتحديد أبعادها الوراثية. وتعتبر مدن أبو ظبي والعين ودبي والشارقة من أهم حواضن تلك المؤسسات والتي تشمل العديد من الجامعات والمراكز الطبّية الحكومية أو الخاصّة. ومن أهم تلك المراكز نشير إلى الوحدة الوراثية ومركز الثلاسيميا في مستشفى الوصل بدبي، والوحدة الوراثية التابعة لكلية الطب والعلوم الصحية في جامعة الإمارات في العين، ودائرة الأمومة وصحة الطفل التابعة لوزارة الصحة في الإمارات العربية المتحدة.
ويعود تاريخ الأبحاث الوراثية في دولة الإمارات العربية المتّحدة إلى سنوات عديدة. وتشير بعض تلك الأبحاث إلى أن نسبة الولادات المُعْتِلّة تصل إلى حد 16.6 في الألف في بعض المدن وذلك لأسباب عديدة أهمّها الحمل المتأخر (60% من الولادات هي لأمهات يبلغن من العمر حوالى 35-45 سنة)، وعدم وجود أحكام للحد من ولادة أطفال يحملون أمراض وراثية خطيرة، والنسبة المرتفعة للزواج من الأقارب.
وتنتشر عادة الزواج من الأقارب في دولة الإمارات العربية المتحدة بشكل واسع ضمن العديد من المجتمعات، ولا تنحصر في مواطني الدولة فقط ولكن تتخطى ذلك لتشمل المقيمين من العرب والآسيويين أيضاً. وتشير الإحصائيات إلى أن نسب الزواج من الأقارب ارتفعت خلال الجيلين الأخيرين من 39% إلى 50% من مجمل الزيجات في الدولة. وأن حوالى 26% من الزيجات ضمن الأقارب هي تلك التي بين الأقارب من الدرجة الأولى. ولأهمية هذه الظاهرة، فلقد تطرقت إليها العديد من الأبحاث الدولية التي صدرت من الإمارات العربية المتحدّة والتي ربطت ما بين عادة الزواج بين الأقارب وانتشار الصفات الوراثية غير المستحبة. فالعديد من تلك الأبحاث يشير إلى انتشار نسب عالية من الأمراض الوراثية، خاصّة المتنحية منها، في المجتمعات التي تتبع أسلوب الزواج من الأقارب بشكل متكرر. كذلك قدمت بعض الأبحاث نتائج تربط ما بين عادة الزواج بين الأقارب وانتشار اضطرابات التعلّم بين الأطفال، والأمراض السيكولوجية، واعتلالات الجهاز العصبي المركزي، وتكرر حالات سقوط الأجنّة، وانتشار المتلازمات القاتلة، والأنواع الوراثية من الأمراض السرطانية.
إلى الأعلى
الاضطرابات الوراثية في الإمارات العربية المتّحدة
د. غازي عمر تدمري
د. إيرول بايسال
د. منصور الزرعوني
د. محمد نافيد
د. نجاة راشد
سارة الحاج علي
د. محمود طالب آل علي
    
سعياً من المركز العربي للدراسات الجينية لمعرفة مدى انتشار وتنوع أشكال الاعتلالات الوراثية في الإمارات العربية المتحدة تمّ البدء بمشروع شامل لتقصي مختلف أنواع المعلومات المتعلّقة بتلك الاعتلالات. واعتمدنا في ذلك على قواعد البيانات الدولية المتخصصة في مجال الاضطرابات الوراثية والأبحاث الصادرة في الدوريات المحكّمة دولياً أو محلياً والبحث في الملفات الخاصة بأهم المؤسسات الصحية. وقد أدّت هذه الخطة لمعرفة وتحديد تفاصيل وجود حوالى 213 اعتلالاً وراثياً في الإمارات العربية المتّحدة. ومما لا شك فيه أن هذه النتيجة هي الأكثر تفصيلاً التي يتم نشرها حتى الآن، وبإضافتها إلى ما جمعناه حتى الآن من معلومات عن الاضطرابات الوراثية في العالم العربي يمكننا القول بوجود 895 اعتلالاً وراثياً في الشعوب العربية بشكلٍ عام ومن الممكن أن يزداد هذا الرقم حين نبدأ البحث بشكل تفصيلي عن وجود الأمراض الوراثية في الدول العربية الواحدة تلو الأخرى. وما هي الخطوة التي قمنا بها في الإمارات إلاّ غيض من فيض، ففي المستقبل القريب نأمل أن نعمم الإستراتيجية التي اتبعناها في دولة الإمارات العربية المتحدة على الدول العربية الأخرى والتي نسعى للجدولة وأرشفة المعلومات عن الاضطرابات الوراثية فيها.
ومما لا شكّ فيه أن الطريقة المثلى لتسريع خطانا تتمثّل في إنشاء قاعدة بيانات إلكترونية باسم "الفهرست الوراثي للعرب" (CTGA) تحوي فيما تحويه كلّ ما توصّل إليه المركز العربي للدراسات الجينية من معلومات عن الاضطرابات الوراثية في الشعوب العربية. وقد وصل بناء قاعدة البيانات إلى مراحل متقدمة إذ يمكن لمستعمليها من المتخصصين والعموم من الناس البحث فيها إلكترونياً بوسائل مبسّطة أو متقدّمة للإجابة عن العديد من التساؤلات حول الأوجه المتعددة لتلك الاضطرابات. وفيما نحن نتقدّم بشكل حثيث لإكمال تحرير القسم الخاصّ بدولة الإمارات العربية المتّحدة، نأمل أن نبدأ في المستقبل القريب بتضمين المعلومات التي سنحصل عليها من الدول العربية الأخرى. ومن هذا المُنطلق نوجّه الدعوة لكلّ المهتمين والمتخصصين في ميدان الاضطرابات الوراثية لتوحيد الجهود تحت مظلّة المركز العربي للدراسات الجينية ليشكل ذلك دفعة قوية لهذا المشروع العربي الهام للوصول إلى مبتغاه في أقرب وقت ممكن في عصر تشكّل التكتلات الكبرى فيه أمثل الطرق للنجاح.
إلى الأعلى
اعتلالات الهيموغلوبين في الإمارات العربية المتّحدة
د. إيرول بايسال
    
تعتبر اعتلالات الهيموغلوبين من أكثر الأمراض انتشاراً في الإمارات العربية المتّحدة بنسب قياسية مقارنة مع دول الخليج العربي المجاورة. ومن أكثر أنواع تلك الاعتلالات شيوعاّ البيتا-ثلاسيميا والألفا-ثلاسيميا. ففي مختبرات الوحدة الوراثية التابعة لمستشفى الوصل في دبي تمّ تسجيل أكثر من 850 مريض بالبيتا-ثلاسيميا خلال الأعوام 1989-2004. وبدراسة للدِ نْ أ في أكثر من 400 مولود جديد و2000 تلميذ بالغ و800 من المواطنين أمكن تحديد نسبة حدوث اعتلالات بجينة البيتا-غلوبين بحوالى 8.5%. وبدراسة جزيئية للعديد من العينات تبيّن أن في دولة الإمارات العربية المتحدة تنوعاً هائلاً للطفرات المتسببة بالبيتا-ثلاسيميا إذ توجد في فئة مواطني الدولة أكثر من 50 طفرة من أصل 200 طفرة في جينة البيتا-غلوبين تم اكتشافها في شعوب العالم المختلفة. ومن بين تلك الطفرات فإن التغيّر IVS-I-5 (G-C)، والمنتشر كثيراً في شبه القارة الهندية، هو الأكثر تواتراً في الإمارات العربية المتحدة. ويلي تلك الطفرة الخفيفة 10 طفرات شائعة الانتشار أكثر حدّة نذكر من بينها Cd 39 (C-T)، وIVS-II-1 (G-A)، وCd5 (-CT). ومما لا شك فيه أن هذا التنوع الكبير في أنماط الطفرات المتسببة بالبيتا-ثلاسيميا في الإمارات العربية المتّحدة يعكس التاريخ الطويل للمنطقة وما يتضمنه ذلك من اختلاط وراثي مع العديد من شعوب المناطق المجاورة.
وبالنسبة للألفا-ثلاسيميا فالوضع يحمل أبعاداً متشابهة بالبيتا-ثلاسيميا. فالمرض منتشر بشكل كبير في دولة الإمارات العربية المتحدة وسببُه في معظم الحالات الحذف في "دِ.نْ.أ" المعروف ب-?3.7. وبجمع وتحليل 418 عينة من دم الحبل السرّي لمواليد جدد أمكن تشخيص وجود الألفا-ثلاسيميا في 49% من الحالات، وتعتبر هذه أحد أكثر النسب الموجودة في العالم على الإطلاق. ويعدّ تلازم الألفا-ثلاسيميا مع اعتلال الغلوبين المعروف بHbH أحد أهم أشكال المرض في الإمارات العربية المتحدة وهو أمر يستحق بجدارة الدراسة المعمقة لهذه المشكلة التي تختص بها الإمارات دون باقي الدول في العالم.
إلى الأعلى
متلازمات التشوّه وأنواع حَثَل النموّ العظمي والغضروفي في الإمارات العربية المتّحدة
أ.د. لِحاظ الغزالي
    
توجد بعض متلازمات التشوّه بشكل كبير في الإمارات العربية المتّحدة وبخاصة في بعض القبائل والعائلات. وتعتبر متلازمة جوبرت من أكثر أنواع متلازمات التشوّه انتشاراً في الإمارات إذ تولد حالة تحمل المتلازمة في كل 5000 ولادة. ومتلازمة جوبرت علّة وراثية متنحّية الصفة ينتج عنها قصور في نموّ دودة المخيخ والهزع ونقص التقوّي وعَمَه البصيرة الحركي ومشاكل التنفس لدى حديثي الولادة والتخلف العقلي. بالإضافة إلى ذلك، فإن متلازمة ميكيل هي الأخرى واسعة الانتشار بنسبة ولادة واحدة تحمل المتلازمة في كلّ 5000 ولادة. وهذه المتلازمة تنجم عن طفرات وراثية متنحية تتسبب بتقذّل قروة الدماغ وتعدد الأصابع وكثرة تكيّس الكِلى. ومن متلازمات التشوّه الأخرى التي تمّ رصدها في دولة الإمارات العربية المتّحدة نذكر على سبيل المثال لا الحصر متلازمة إهلرز-دانلوس النوع الرابع، متلازمة باردت-بيدل، متلازمة سيكيل، متلازمة ماكيوزك-كوفمان، متلازمة كوهين، متلازمة سيتلايس، وغيرها. ولقد تمّ تحديد الجينات المتسببة ببعض تلك المتلازمات، والعمل جارٍ للكشف عن تفاصيل طفراتها الوراثية.
أمّا بالنسبة لأنواع حَثَل النموّ العظمي والغضروفي، فهي الأخرى واسعة الانتشار في دولة الإمارات العربية المتّحدة. ففي دراسة لأكثر من 38000 ولادة في منطقة العين الطبّية، تمّ تشخيص 36 حالة من حَثَل النموّ العظمي، أي نسبة 9.46 كلّ 10000 ولادة. ومن بين تلك الحالات فإن حَثَل النموّ الغضروفي الليفي هي الأكثر انتشاراً في الإمارات وبخاصة في العائلات المتحدّرة من أصل عُماني. ويلي ذلك متلازمة ستوف-ويديمان المنتشرة في العائلات من أصول عُمانية أو يمنية. ومن بين أنواع حَثَل النموْ العظمي والغضروفي الأخرى التي تمّ تشخيصها في الإمارات، نذكر على سبيل المثال لا الحصر: متلازمة إليس-فان-كريفيلد، سوء التهيكل الغضروفي المرقّط، ومتلازمات تعدد الأصابع وقِصَر الأضلع، وحَثَل جون للنموّ الصدري، ومتلازمة ديغف-ميلكيور-كلاوسن، ومتلازمة لارسن-دوبوكوا.
إلى الأعلى
أمراض السكّري في الإمارات العربية المتّحدة والدول العربية الأخرى
أ.د. طاهر الشرقاوي
    
يتألّف داء السكّري من مجموعة من الأمراض الاستقلالبية المتعددة والتي تتميز بارتفاع نسب تركيز سكّر الغلوكوز في الدمّ. وفي حال عدم التداوي من المرض فإنّه قد يتسبب بالعمى وفشل الكلى وأمراض القلب والذبحات وخسارة الأطراف وضمور توقّعات الحياة. وفي الوقت الحالي، فإنّ المئات من ملايين البشر مصابون بهذه العلّة والتي تنقسم إلى نوعين. فداء السكّري النوع الأول تظهر عوارضه منذ الطفولة ويتطلب علاجه الحقن المتواصل بأنزيم الأنسولين. أمّا داء السكّري النوع الثاني فهو غير مرتبط بنسب تركيز الأنسولين وهو يرتبط بشكل وثيق مع عارض البدانة ولا تظهر عوارضه إلاّ مع تقدّم العمر نحو 40 سنة.
وفي الإمارات العربية المتّحدة، كما في باقي الدول العربية، نلاحظ نقصاً واضحاً في الدراسات التي تبين مدى تفشّي المرض. ولكن يشير بحثان غير منشورين إلى أن نسبة مرضى داء السكّري في الإمارات العربية المتّحدة هي ثاني أكبر نسبة في العالم وتقدّر بحوالى 20% من سكّان الدولة، وبالتحديد 24% في فئة المواطنين الإماراتيين و حوالى 17% في فئة المقيمين في البلاد. ويلاحظ أحد البحثين أن مرضى السكّري من المناطق الحضرية هم أكثر منهم في المناطق النائية. وفي كلّ الأحوال فإن هذه المؤشرات ما هي إلاّ منذر لوضع مكافحة داء السكّري في مقدمة أولويات الهيئات الصحية في الإمارات العربية المتّحدة. ونشير في هذا المجال إلى أن وزارة الصحة في الدولة عملت مشكورة على تأسيس تجمّع مستقل يتكوّن من علماء وخبراء لوضع خطط مستقبلية وبرامج وطنية لتثقيف العموم من الناس كخطوة أولى نحو السيطرة على داء السكّري.
إلى الأعلى
أمراض السرطان في الإمارات العربية المتّحدة
د. غازي عمر تدمري
د. موزة الشرهان
    
تعدّ أمراض السرطان ثالث أقوى سبب للوفيات في دولة الإمارات العربية المتّحدة بعد أمراض القلب وحوادث السير. وتشير إحصاءات وزارة الصحة إلى أن السرطانات تؤدي إلى وفاة حوالى 500 إنسان كلّ عام. ويعود تاريخ البحوث الموثّقة الأولى في مجال السرطان في الإمارات العربية المتّحدة إلى عام 1981 حين تم تشخيص سرطان الكبد في 209 مريضاً في مستشفى القاسمي بإمارة الشارقة. وفي أواخر التسعينات من القرن الماضي، أصدرت وزارة الصحة قراراً بتشكيل مركز تسجيل وطني للسرطان يعمل على جمع وتقصي كل المعلومات المتعلقة بمرضى السرطان على صعيد دولة الإمارات العربية المتّحدة. وفي الوقت الحالي يوجد فيها ثلاثة مراكز متخصصة بمجال الأورام.
وباختصار فإن أنواعاً عديدة من أمراض السرطان تمّ الكشف عنها في الإمارات العربية المتحدّة. أمّا أبرزها فهي سرطان الثدي، سرطانات الرأس والرقبة، سرطان الرئة، والورم الليمفاوي غير نوع هودجكن، وسرطان الدم الحادّ، وسرطان عنق الرَحِم، وسرطان المعدة، وورم هودجكن الليمفاوي، وسرطان القولون والمستقيم، وسرطان الغدّة الدَّرقية، وغيرها.
ونجد القليل من الأبحاث التي تشير إلى مستوى انتشار داء سرطان الثدي في العالم العربي. ولكنّه من المعلوم أن ظهور عوارض المرض لدى نساء العرب يتم في عمر مبكّر مقارنة مع النساء في دول العالم الأخرى. وبسبب العادات الاجتماعية، تتأخر النساء المصابات بإجراء الفحوصات الخاصّة وهذا ما يؤدي إلى تقدّم المرض في العديد منهن حين قدومهن للعلاج. وتشير دراسة صدرت في الثمانينات أن أكثر حالات مرضى سرطانات الثدي يكشف عنها في النساء من العرب المقيمين في دولة الإمارات العربية المتّحدة وأن معظم من تقدّمن لإجراء الفحوصات حضرن بعد ستة أشهر من ظهور الكُتلة السرطانية. ولكن يبدو أن هذا الواقع قد تغيّر مع الزمن، ففي العام 1998 صدر تقرير علمي يشير إلى أن مدى إدراك وتفاعل النساء مع المرض قد تطور بشكل إيجابي مع الوقت وأن نسبة انتشار مرض سرطان الثدي في الإمارات العربية المتّحدة هو 15.5 حالات في الألف. وهذه النسبة منخفضة جداً بالمقارنة مع تلك في دولة الكويت والمملكة العربية السعودية. وبرر بحث آخر هذا الانخفاض في نسب انتشار المرض إلى احتمال وجود حالات متماثلة التكوين الوراثي بشكل كبير مما يؤدي إلى موت الأجنة الحاملة لتلك الصفات قبل ولادتها.
يتجاوز عدد الأبحاث الدولية المحكّمة الصادرة من الإمارات العربية المتّحدة حول موضوع أمراض السرطان ال200 بحث ما بين تقارير لحالات فردية أو دراسات تشمل عدداً كبيراً من الحالات. ومن خلال تلك الأبحاث تمّ وصف العديد من أنواع أمراض السرطان كالورم السرطاني الأوّلي في خلايا الكبد وورم مستلون الخبيث وورم خلايا العنق الحبيبي الخبيث وأورام الدماغ وورم ويلم وسرطان الدم الخلقي وورم بوركيت الليمفاوي وسرطان البروستاتة وغيرها.
ومن الملاحظ أن لمرضى السرطان في هذه المنطقة اعتبارات فلسفية تتعلّق بالحياة والموت غير تلك الموجودة في المرضى من الغربيين مما يساعد في مسألة قبول التشخيص وما يترتب على ذلك من علاج من دون حدوث ضيق خاصة وأن أنواع عديدة من السرطانات أصبح علاجها ممكناً.
إلى الأعلى
تنظيم نسخ الجينات بواسطة مُرَكّبات معدِّلات الحُبيبة الصبغية وعلاقته بالسرطان
د. أحمد المرزوقي
    
توجد في الجينوم البشري آليات ضبط عديدة أحدُها ضبط توضيب "دِ.نْ.أ" داخل الخلايا على شكل حبيبات صبغية. وأشارت دراسات عديدة إلى أن بلوغ عوامل النسخ للمناطق المنظِّمة للجينات يخضع لتحكّم مركّبات بروتينية محفوظة. ويعتبر تدخُّل هذه المركّبات أحدَ أهم عوامل تنظيم تعبير الجينات في المخلوقات حقيقية النوى. وترتبط أخطاء ضبط تلك المركّبات بأنواع عديدة من السرطانات كسرطان الدم، والأورام الليمفاوية، وسرطان الثدي. وفي جامعة العين يعمل الباحثون، بالتعاون مع مختبرات دولية، على دراسة المبادئ الأساسية لتنظيم الجينات وعلاقة ذلك بنشأة أمراض السرطان، وبالتحديد الآليات المرتبطة بتفاعل وتواصل مركّبات معدّلات الحبيبة الصبغية لتفعّل عمل الجينات. ومن المحتمل أن أي خللٍ في عمل تلك المركّبات لا بدّ وأن ينتج عنه تغيّر في دورة حياة الخلية مما يؤدي إلى نشوء السرطان.
إلى الأعلى
الفيروسات العدسية اللابشرية الناقلة الرئيسة كأدوات للعلاج الجيني في البشر
د. طاهر رِزْفي
تساعد تطبيقات الهندسة الوراثية باستخدام العلاج الجيني على قهر العديد من الأمراض. ولم يغفل المجتمع العلمي في دولة الإمارات العربية المتّحدة عن هذا المجال وفوائده. ويتمثّل هذا الاهتمام حين خصّصت جائزة الشيخ حمدان بن راشد آل مكتوم للعلوم الطبية جوائزها في العام 2002 للبحوث في مجال العلاج الجيني. ومن بين الأمراض الفتاكة السائدة في دولة الإمارات العربية المتّحدة، فإن أمراض القلب مرشّحة لتكون أوّل من تُطبّق فيها تقنيات العلاج الجيني بواسطة الفيروسات القهقرية. ومن بعض أهداف العلاج الجيني في أمراض القلب تخفيف فرط كولسترول الدمّ عن طريق تحفيز بروتين مُسْتَقْبِل البروتين الشحمي ذو الكثافة المنخفضة في خلايا الكبد أو عن طريق الإكثار الانتقائي لأوعية الدمّ.
أثبتت الفيروسات القهقرية فعاليتها في طرق العلاج الجيني لثباتها وتمكنها من حمل المورثات وتوصيلها إلى الخلايا المضيفة. ولكن يشترط في هذه الحالة أن تكون الخلايا المستقبلة نشطة من حيث التضاعف حتى تنتقل المورثات إلى أكبر عدد من الخلايا في الجسم. ولأن خلايا الكبد، والقلب، والدماغ، وعضلات الجسم لا تتضاعف بكثرة، فإن استخدام الفيروسات القهقرية يصبح في تلك الحالات قليل الجدوى. لذلك برزت في الآونة الأخيرة تقنيات للعلاج الجيني تستخدم الفيروسات العدسية والتي تتمتع بخصائص تفوق تلك التي في الفيروسات القهقرية منها القابلية لإيصال المورثات لخلايا غير نشطة الانقسام وقدرتها على حمل جينات تشفّر لبروتينات كبيرة الحجم وقدرتها على إيصال المورثة المطلوبة دون مورثات الفيروس.
وتتنوع الفيروسات العدسية بحيث أن لها خصائص مختلفة منها الإيجابية ومنها السلبية. ولتقييم تلك الفيروسات، يسعى الباحثون في جامعة العين، بالتعاون مع مختبرات دولية، على دراستها من حيث قابليتها على تصحيح الأخطاء الوراثية إن بإقحام جينات معدّلة مخبرياً أو بتحفيز الجينات الساكنة في الخلايا.
إلى الأعلى
|